الفنانة التشكيلية رميساء زنتوت: الفن الحقيقي لقاء بين الحرفية والإحساس
- by Admin
- 2026-05-06
- 2563
تبرز الفنانة التشكيلية رميساء زنتوت كصوت يُعيد الاعتبار للدقة، للتأمل، ولجمال الانضباط الأكاديمي. من خلال مسيرة فنية غنية بالتجارب والرسائل، اختارت رميساء أن تجعل من الرسم الأكاديمي وسيلتها لفهم الذات والعالم، ممزوجًا بلمسات تعبيرية وتوجهات معاصرة تعبّر عن عمقها الداخلي وهويتها البصرية. في هذا الحوار الخاص الذي جمع عين الجزائر مع الفنانة التشكيلية رميساء زنتوت، نغوص معها في عوالم اللون والضوء، ونكتشف كيف يمكن للفن أن يكون أكثر من مهارة: أن يكون رسالة، حوارًا، وتجربة وجودية تتجاوز الظاهر إلى ما هو أعمق.
حاورتها: دلال بوعلام
حدّثينا عن بداياتك في عالم الفن التشكيلي، وما الذي دفعكِ لاختيار الرسم بشكل عام
والأكاديمي تحديدًا؟
منذ صغري كنت أجد
في الرسم وسيلة للتعبير العميق عن مشاعري وفهمي للعالم من حولي.
جذبني الفن الأكاديمي تحديدًا لما يحمله من انضباط بصري ودقة علمية تشكل الأساس
الحقيقي لأي إبداع.
وجدت فيه تحديًا راقيًا يجمع بين الحس الفني والدراسة المتعمقة للتكوين والتشريح
والضوء.
لذلك اخترت هذا المسار عن قناعة، وأسعى من خلال ورشاتي الفنية إلى نقل هذا الشغف
وأهمية التأسيس الأكاديمي لكل فنان وفنانة.
ما الذي شكّل ذائقتك الفنية الأولى؟ وهل كانت هناك مؤثرات أو شخصيات تركت أثرًا واضحًا على أسلوبك؟
ذائقتي الفنية تشكّلت من
إحساسي العميق بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهارة بصرية.
كنت أرى في كل خط ولمسة بحثا عن المعنى، عن التوازن الداخلي. تأثرت كثيرًا بتجربة
محمد ديب، الذي ألهمني كأديب وفنان تشكيلي استطاع أن يحول المعاناة إلى صور تنبض
بالحياة، بروح جزائرية عميقة.
كما ألهمني عالميًا كل من فان كوخ بشغفه الصادق، وبيكاسو بحريته التعبيرية،
وموندريان الذي علّمني أن البساطة الهندسية يمكن أن تكون لغة فلسفية راقية.
في ممارستي الأكاديمية أحاول نقل هذا الوعي لتلامذتي وطلابي
لأزرع فيهم أن الفن ليس مجرد تقنية، بل روح تبحث عن حقيقتها عبر الشكل، اللون،
والضوء.
كيف تتعاملين مع مفهوم الضوء والظل عند بناء اللوحة؟ وما تأثيره على البُعد التعبيري في أعمالك؟
بالنسبة لي الضوء والظل
ليسا مجرد أدوات تشكيلية بل وسيلتان للتعبير، أستخدم الضوء لتوجيه الإحساس والظل
لخلق عمق داخلي في اللوحة.
أترك للّون خاصة ( الأزرق )حرية التعبير لأنه يمثل رحلتي وامتداد تأملي.
في ورشاتي، أعلم أن الضوء يحس قبل أن يرسم، وأن اللون قرار نابع من الذات، لا مجرد
تقنية.....
هل تنتمي للمدرسة الكلاسيكية؟
أنتمي فكريا إلى المدرسة
الكلاسيكية من حيث التأسيس لأنني أؤمن بقوة القاعدة الأكاديمية كأساس لأي تعبير
فني ناضج.
لكن أجد نفسي أقرب إلى التجريد الذي يتيح للون والشكل أن يتحررا من القيود ويمتلكا
صوتًا ذاتيًا، خصوصًا في أعمالي الأخيرة التي شاركت بها في معرض Les Ponts de l’Art، حيث حاولت أن أجمع بين التجريد والتكعيب.
ما الأدوات والخامات التي تجدين أنها الأوفى في خدمة المدرسة الكلاسيكية التي
تنتمين إليها؟
أما من حيث الخامات فأجد أن الفحم والغرافيت هما الأقرب للمدرسة الكلاسيكية
بما يتيحه من مرونة ودقة في حين أن الأكريليك والزيت يمنحاني حرية أكبر في التعبير
التجريدي، خاصة عند استخدام اللون( الأزرق )
الذي يمثل في تجربتي الجسر بين الروح والشكل.
كيف تنظرين للعلاقة بين الدقة التقنية والمشاعر في العمل الفني؟ وهل يمكن أن يتفوّق أحدهما على الآخر؟
الدقة التقنية تمنح العمل قوته البنائية أما
المشاعر فهي ما يمنحه الحياة.
لا أؤمن بتفوق أحدهما على الآخر بل أرى أن العمل الفني الصادق هو التقاء متوازن
بين الحرفية والإحساس.
التقنية بلا روح تنتج عملًا باردا والمشاعر بلا بنية تفقده التماسك. الفن الحقيقي
في نظري هو ما يدمج بين الاثنين بتناغم عميق.
ما الحدود بين الواقعية الأكاديمية والتعبير الشخصي في تجربتك الفنية؟
في تجربتي الواقعية
الأكاديمية ليست قيدًا بل قاعدة أنطلق منها للتعبير الشخصي.
أقدر الإنضباط التشكيلي الذي تمنحه الأكاديمية لكنه لا يلغي صوتي الداخلي بل
ينظمه.
أبدأ بالدقة ثم أسمح لروحي أن تتدخل
فيتجاوز العمل مجرد التمثيل ليصبح حوارا بيني وبين الموضوع.
هل يحمل فنك رسائل معينة تتجاوز الجمال الظاهري؟ وإن كانت كذلك، ما طبيعتها؟
نعم، أحاول دائمًا أن يحمل فني رسائل تتجاوز الشكل إلى العمق. أطرح أسئلة عن الجسد، الروح، الذاكرة، الهوية، وحتى الصمت. الجمال عندي ليس هدفًا نهائيًا، بل وسيلة للوصول إلى ما هو أعمق: التأمل، وربما التغيير الداخلي في المتلقي.
كيف كانت تجربتك في عرض أعمالك في معارض فنية؟ وما العمل الذي تعتبرينه نقطة تحول في مسيرتك؟
تجربتي في المعارض الفنية
كانت محطات كاشفة ليس فقط لعرض أعمالي بل لمسائلة ذاتي أمام المتلقي.
كل معرض هو لقاء واختبار لصدق الرسالة التي أحملها في اللون والحركة والرمز.
حدثينا عن أهم لوحاتك ؟
من بين هذه التجارب كانت
لوحة
" Le Bruit (الضجيج)"
نقطة تحول عميقة.
في ظاهرها ضوضاء لكنها في باطنها بحث عن الصمت عن جوهر اللحظة وسط تشويش العالم.
كنت أرسم صراع الداخل، انكسارات الحواس، وأحاول عبر فوضى اللون أن ألمح النظام
الخفي الذي يربط الجمال بالمعنى لا بالمظهر فقط.
أما لوحة "هو" فهي أقرب إلى الميثولوجيا الشخصية ألوانها رموزها
وتكوينها البصري تجسد الامتداد بين الهوية والانتماء بين الرمز والتأويل. اشتغلت
فيها على تدرجات الأزرق والتضاد اللوني
لأحاكي حالة تأملية تجعل المتلقي يقف أمامها لا ليفهم، بل ليشعر.
هي دعوة للتفكر وللقراءة البصرية التي تتجاوز اللغة.
ما طموحاتك المستقبلية على الصعيدين الفني والتقني؟
طموحاتي تتجه نحو تعميق هذا الحوار بين الكلاسيكية والتعبير المعاصر تقنيا .
هل هناك مشروع فني تعملين عليه حاليًا يجمع بين الكلاسيكية والاتجاهات المعاصرة؟
أعمل حاليا على مشروع فني
يوظف البناء البصري مفتوح على الرمز، اللون، والحركة الحرة بما يخلق جسرا بين
التكوين والانفعال بين القاعدة والتحرر.
وكذلك أطمح إلى أن أزرع في قلوب
الناشئة بذور الجمال، لأربي جيلاً يتنفس الفن التشكيلي ويرى في اللون حياة، وفي
الخط نبضاً وفي اللوحة حكاية روح.
ما الرسالة التي ترغبين في
إيصالها من خلال إصرارك على هذا النوع الدقيق من الرسم؟
رسالتي من خلال إصراري على هذا النوع
الدقيق من الرسم هي أن الدقة ليست نقيض الحرية
بل هي شكل من أشكالها.
الفن الأكاديمي يصبح أداة لفهم الذات
والآخر ويتحول إلى لغة عميقة تخاطب الإنسان في صمته في جراحه وفي أحلامه.