حكاية جزائرية تكسر حواجز الرياضات القتالية

رانيا سعدي مقاتلة في الحلبة وحَكَمٌ عادل خارجها:

حكاية جزائرية تكسر حواجز الرياضات القتالية

حاورتها: سهام بوديدة

في عالمٍ غالبًا ما تُرسم حدوده بخطوط ذكورية صارمة، تبرز قصص نسائية استثنائية لتُعيد تعريف القوة والشجاعة. رانيا سعدي، المقاتلة والمدربة الجزائرية المقيمة في الإمارات، هي إحدى هذه القصص الملهمة. لم تكتفِ باقتحام حلبات الكيك بوكسينغ والمواي تاي، بل فرضت حضورها كحكم وطني في رياضة الكامبو، لتجمع بين عقلية المقاتل الشرس وعين الحكم المحايدة. في هذا الحوار، نغوص في رحلتها من شوارع الجزائر إلى الساحة الدولية، ونتعرف على المرأة التي تقف خلف القفازات والقرارات الصارمة، حاملةً معها حلم تمكين جيل جديد من الفتيات، ومُقدمةً صورة مُشرقة للمرأة الجزائرية القادرة على صنع المستحيل.

*بدايةً، نرحب بكِ في مجلتنا. حدّثينا عن نفسك، من هي رانيا بعيدًا عن حلبة الملاكمة وساحة التحكيم؟

شكرًا لكم على هذا اللقاء. أنا رانيا سعدي، جزائرية مقيمة في الإمارات، مدربة محترفة في الكيك بوكسينغ، المواي تاي، والكامبو. أعمل كذلك في مجال التعليم، وأجيد ثلاث لغات: العربية، الإنجليزية، والفرنسية. خارج الحلبة، أجد نفسي في التواصل مع الناس، تحفيز الأطفال والنساء، وصناعة محتوى رياضي وتوعوي على وسائل التواصل. أعتبر أن الرياضة بالنسبة لي ليست فقط مهنة، بل أسلوب حياة متكامل.

*دعينا نعود بالزمن إلى الوراء، إلى الجزائر. كيف كانت طفولتك، وهل كانت هناك أي مؤشرات مبكرة على شغفك بالرياضات القتالية التي تُعتبر عادة “ذكورية”؟

منذ طفولتي، كنت أعشق الحركة والتحديات، وكان عندي شغف واضح بالفنون القتالية. بدأت أمارسها منذ صغري، ليس بدافع التقليد بل من رغبة داخلية قوية. رغم أن هذه الرياضات كانت تُصنّف على أنها “ذكورية”، إلا أنني كنت أرى فيها طريقًا للتعبير عن نفسي، ووسيلة لأبني ثقة داخلية لا تهزّها نظرة المجتمع.

*ما الذي دفعك لاختيار هذه الرياضات تحديدًا؟ وكيف كان رد فعل العائلة والمجتمع في البداية؟

اخترت الكيك بوكسينغ والمواي تاي والكامبو لأنني وجدت فيها القوة، الانضباط، والتحدي الحقيقي. الفنون القتالية بالنسبة لي ليست فقط ضربات، بل فلسفة حياة. أما عائلتي، فكانت دومًا داعمة ومشجعة. لم أشعر يومًا أنني أقاتل وحدي، بل كنت أحمل دعاءهم ودعمهم معي في كل تدريب وكل نزال. قدوتي الأولى كانت أمي. لم تكن مقاتلة في الحلبة، لكنها كانت مقاتلة في الحياة. امرأة طموحة، جبارة، قوية في وجه كل التحديات. كانت مثالًا لي في الصبر، العزيمة، والإصرار، وأعطتني الإيمان بأن المرأة تستطيع أن تكون ما تريد.

 

*الجمع بين كونك مقاتلة وحكمًا وطنيًا أمر فريد من نوعه. كيف توفّقين بين العقلية المطلوبة لكل دور؟

صحيح، الأمر يتطلّب مرونة ذهنية كبيرة. كمقاتلة، أحتاج لعقلية التحدي والانتصار، أركز على القوة والتكتيك. أما عندما أكون في التحكيم كحكم وطني في الكامبو، فأكون حيادية 100٪، صارمة في قراراتي، وأطبّق القوانين بعدل وانضباط. كوني أقاتل وأتدرّب باستمرار، يساعدني ذلك على فهم واقع الحلبة بشكل دقيق. أعرف شعور المقاتل، وأُدرك أهمية القرارات العادلة، وهذا يجعلني أكثر إنصافًا.

 

*ما هي أبرز الصعوبات التي واجهتك في مسيرتك لتصلي إلى مستوى التحكيم الوطني؟

من أبرز التحديات كانت محدودية الفرص للنساء في التحكيم القتالي، إلى جانب ضرورة إثبات الجدارة في كل مشاركة. الوصول لمستوى حكم وطني تطلّب مني حضور دورات تكوينية رسمية، واجتياز اختبارات نظرية وعملية، إضافة إلى التواجد المستمر في البطولات الوطنية. اخترت التحكيم لأنني أؤمن بضرورة أن تكون المرأة حاضرة في كل الأدوار داخل الرياضة، كمقاتلة، مدربة، وحكم أيضًا.

 

*بصفتك امرأة جزائرية وعربية، ما هي التحديات أو الفرص التي وجدتها في الإمارات مقارنةً بالجزائر؟

في الجزائر، للأسف، ما زالت بعض العقليات ترى أن الرياضات القتالية “ليست للنساء”، وهذا يضع الكثير من الحواجز أمام الطموحات. أما في الإمارات، فهناك دعم واضح للمرأة، وتمكين حقيقي على أرض الواقع. وجدتُ هنا اعترافًا بكفاءتي واحترامًا لجهودي. ومع ذلك، لا أنكر أن جذوري الجزائرية أعطتني الصبر، والقوة، والصلابة التي أحتاجها. فالجزائر في قلبي يوميًا، وأحرص على تمثيل بلدي في كل مشاركة، وأحتفظ بعاداتنا وأكلاتنا التقليدية، خصوصًا “الشخشوخة” و”الكسكس”.


*ما هي الصورة التي تسعين لتقديمها عن المرأة الجزائرية، وما هي الفكرة المغلوطة التي تودّين تصحيحها؟

أريد أن أقدّم صورة المرأة الجزائرية القوية، الطموحة، التي تكافح في صمت، وتصنع المستحيل. المرأة التي لا تستسلم وتحترم أصولها وهويتها. أما أكثر فكرة مغلوطة أود تصحيحها، فهي أن القتال يُلغي الأنوثة أو أن المرأة ضعيفة جدًا لهذا النوع من التحديات. الحقيقة أن المرأة تملك من الانضباط والذكاء والقوة الداخلية ما يؤهلها للنجاح، ونحن نثبت يوميًا أن القوة ليست حكرًا على الرجال.

 

*بدأت نظرة المجتمع تتغير. ما هو دورك في هذا التغيير، وما هي رسالتك للفتيات؟

أعتبر نفسي جزءًا من هذا التغيير من خلال وجودي في الحلبة، أو كمدربة، أو كحكم. أشارك قصتي لأكسر الصورة النمطية. ورسالتي للفتيات واضحة: لا تسمحن لأي صوت خارجي أن يطفئ شغفكن. لا تنتظرن الإذن من أحد لتكنّ قويات. القوة لا تعني التخلي عن هويتكن، بل تعني احترام ذواتكن والدفاع عن أحلامكن. أنا بدأت من مكان بسيط، ومع كل صعوبة كنت أقول لنفسي: “سأكون الصوت الذي لم أسمعه حين كنت صغيرة.” كوني أنتِ هذا الصوت.


*أخيرًا، ما هي طموحاتك المستقبلية؟

أطمح لافتتاح أكاديمية خاصة بي يومًا ما، تكون مساحة آمنة ومحترفة لتعليم الفنون القتالية، مع تركيز خاص على الأطفال والنساء. كما أسعى لمواصلة تطوير نفسي في التحكيم والتدريب، والمشاركة في بطولات دولية. ولو أتيحت لي الفرصة لتغيير شيء واحد في عالم رياضتنا، فسيكون إنهاء التمييز ومنح النساء نفس الفرص والدعم والتغطية الإعلامية التي يحصل عليها الرجال، لأجل جيل جديد من الفتيات المقاتلات.