رحلة على جسور اللغة والثقافة: تجربتان صينيتان في قلب الجزائر

فسحة- في زمن يضيق فيه العالم وتتلاقى فيه الحضارات رغم تباعد الجغرافيا، تحمل لنا هذه المقابلة شهادة حية من قلب التجربة الإنسانية والثقافية. هنا نرافق إلهام ولطيفة، طالبتين صينيتين اختارتا الغوص في بحر اللغة العربية، وحطتا الرحال في الجزائر، حيث تفتحت أمامهما أبواب التاريخ، وتلونت أيامهما بثراء العادات، وتذوقتا طعم الضيافة والحياة بكل تفاصيلها الحلوة والمرة. من ليتشوان وتسى قونغ إلى الجزائر العاصمة، وهران وقسنطينة، يحكي لنا هذا الحوار عن لقاء ثقافتين، عن صعوبات التعلم ولذة الاكتشاف، عن الجسور المعلقة التي تشبه قلوب الناس، وعن حلم يتحول إلى واقع مليء بالدهشة والجمال.

زيموش نور الإيمان

*بداية، نود أن نتعرف عليكما. من أنتما؟ ومن أي مدينة في الصين اتيتما؟

إلهام قدمت نفسها بأنها من مدينة تسى قونغ، مقاطعة سى تشوان جنوب غرب الصين، وقد منحها أستاذها الصيني اسمها العربي عند دخولها الجامعة، وهي تدرس اللغة العربية وآدابها في جامعة الدراسات الدولية ببكين، في حين أن لطيفة عرفت عن نفسها بأنها من مدينة ليتشوان بمقاطعة هوبي، التي تعرف بـ"المدينة الباردة" في الصين لجمال مناظرها الجبلية، وتدرس اللغة العربية وآدابها في جامعة الجزائر 2.

 

*لماذا اخترتما دراسة اللغة العربية؟ وهل كانت الجزائر خياركما الأول للدراسة؟

إلهام أوضحت بأنها كانت ترغب في تعلم إحدى اللغات في الجامعة واختارت عدة تخصصات لغوية مثل اليابانية والكورية والعربية، وفي النهاية تم قبولها في تخصص اللغة العربية حسب نتيجتها في امتحان القبول الجامعي، وقد جذبتها الجزائر من خلال أستاذ جزائري في كليتها عرفها على جاذبية هذا البلد وسحره، إلى جانب الصداقة العميقة بين الصين والجزائر.

أما لطيفة فقد تأثرت في المرحلة الإعدادية برواية رومانسية كانت بطلتها تتعلم اللغة العربية وتسافر إلى الإمارات، ما جعلها تفكر في تعلم هذه اللغة لتحقيق حلم طفولتها وتوسيع آفاقها الثقافية، ومن ثم اختارت الجزائر كوجهة لتحقيق هذا الحلم.

 

*كيف كانت تجربتكما في تعلم اللغة العربية في جامعة الجزائر؟

إلهام وصفت تجربتها بأنها فرصة رائعة لممارسة اللغة في بيئة حقيقية، حيث وجدت الأساتذة في الجامعة لطفاء ومتعاونين، مما ساعدها في تحسين مهاراتها.

بينما لطيفة اعتبرت التجربة مليئة بالدهشة والتحديات بسبب الدراسة باللغة العربية بالكامل، لكنها ساهمت بشكل كبير في تطوير مهاراتها، وأثنت على أستاذتها أسماء التي عرفتهم بالعادات الجزائرية وساعدتها على فهم الجزائر بشكل أعمق.

تحديات اللغة واكتشاف أسرار العربية

*ما هو أصعب شيء واجهتماه في اللغة العربية؟ وما هو أكثر شيء أحببتماه فيها؟

إلهام وجدت أن صعوبة تعلم اللغة في البداية تكمن في الفروقات الجذرية بين العربية والصينية، خاصة الكتابة من اليمين لليسار والحروف الجديدة والنحو العربي الدقيق الذي يؤثر على تركيب الجملة بأكملها، لكنها أحبت النطق العربي الذي بدا لها كأنه أغنية جميلة.

أما لطيفة فكان من الصعب عليها ممارسة المحادثة في البداية لخوفها من الوقوع في الخطأ، لكنها وجدت متعة كبيرة في التعرف على الثقافات المختلفة من خلال تعلم اللغة العربية، وهو ما يثير فضولها ويجعل العالم أكثر تنوعا وجمالا في نظرها.

*هل لديكما تفاعل مع الطلبة الجزائريين؟ كيف وجدتما الحياة الطلابية هنا؟

إلهام أشارت إلى تواصلها مع طلاب جزائريين يدرسون اللغة الصينية، ومشاركتها في فعاليات مثل "أسبوع الثقافة الصينية" و"اليوم العالمي للغة الصينية"، ولاحظت اهتمام الطلبة الجزائريين الكبير بالثقافة الصينية.

بينما لطيفة تحدثت عن إقامتها مع الفتيات الجزائريات في السكن الجامعي حيث وجدت منهن الدعم والمساعدة منذ وصولها، ووصفت حياتهن بأنها مليئة بالحيوية والدفء، كما شاركن في الاستماع إلى الأغاني الأجنبية التي تحبها أيضا مما عزز شعورها بالتشابه بين شباب العالم.

*حدثانا عن زيارتكما إلى وهران. ما الذي جذب انتباهكما هناك؟

إلهام عرفت مدينة وهران من خلال رواية "الطاعون" لألبير كامو، وأعجبت بجمال الخليج من حصن سانتا كروز حيث كانت أشعة الشمس تنعكس على المباني البيضاء مانحة المدينة هدوءا وجمالا فريدا، كما أبهرتها العمارة التي تجمع بين الطابع الأوروبي ودفء الثقافة الجزائرية الأصيلة.

أما لطيفة فقد كانت وهران أول مدينة ساحلية تزورها، وقد حققت زيارتها حلمها في رؤية البحر، حيث استمتعت بمشاهد البحر الذي لطالما تخيلته، ووصفت التجربة بأنها رائعة جدا لأنها تحب البحر كثيرا.

*وماذا عن قسنطينة؟ كيف كان شعوركما عند رؤية الجسور المعلقة والمدينة القديمة؟

إلهام كانت تعرف عن شهرة قسنطينة بجسورها المعلقة، وعندما وقفت على الجسر شعرت بالخوف الممزوج بالدهشة بسبب العمق الكبير للوادي، كما أدهشها جمال المدينة التي تشبه لوحة فنية مليئة بالمباني القديمة والجسور المرتفعة، وشبهتها بمدينة تشونغ تشينغ الصينية التي تتميز بالتضاريس الجبلية والمرتفعات والانخفاضات الشبيهة بقسنطينة، مما جعلها تشعر بألفة خاصة تجاه المدينة.

بينما لطيفة وصفت قسنطينة بأنها مختلفة تماما عن باقي المدن الجزائرية بتاريخها العريق ومعالمها الثقافية الغنية، واستمتعت بالتجول مع أصدقائها لاكتشاف ثقافتها خطوة بخطوة، وذكرت بأن قسنطينة جمعتهم أيضا بلقاء جميل مع الصحفية نور الإيمان التي أصبحت صديقتهم.

*هل لاحظتما اختلافا بين المدينتين من حيث اللهجة، الأكل، أو الثقافة المحلية؟

إلهام قالت إنها لا تفهم لهجات وهران وقسنطينة لكنها استفادت من تعامل الناس معها بالفصحى، ورأت أن قسنطينة تتميز بمأكولات تقليدية مثل الكسكسي، أما وهران فتعتمد أكثر على المأكولات البحرية بسبب موقعها الساحلي، ولاحظت أن وهران أكثر حيوية وحداثة بينما قسنطينة أكثر تقليدية وإيقاع الحياة فيها أبطأ.

أما لطيفة فأكدت على صعوبة فهم اللهجات لكنها وجدت الناس متعاونين في استخدام الفصحى، ورأت أن وهران تتميز بالأطباق البحرية والتتبيل البسيط بسبب موقعها الجغرافي، بينما كانت أطباق قسنطينة تميل للحوم وأسلوب الطهي المعقد نسبيا. كما اعتبرت وهران أقرب للنمط الفرنسي بينما قسنطينة أكثر ثراء ثقافيا وعمقا.

      حكايات الأطباق الجزائرية بنكهة صينية

*ما هي الأطعمة الجزائرية التي جربتماها؟ وهل لديكما طبق مفضل؟

إلهام ذكرت أنها جربت العديد من الأطباق الجزائرية مثل الكسكسي والتريدة والحلويات التقليدية كالبقلاوة والمقروط، وأكثر ما أعجبها هو البوراك لقشرته المقرمشة وحشوته اللذيذة.

بينما لطيفة تحدثت عن تجربتها مع شوربة تحتوي على لحم الخروف والمعكرونة في جانت والتي أحبتها رغم أنها لم تكن من محبي لحم الخروف من قبل، كما تذوقت البوراك المحشو بالسمك والمأكولات البحرية في وهران، وحضرت مع صديقاتها الكسكس في المنزل واستمتعت بمذاقه.

*كيف تصفان الشعب الجزائري؟ هل وجدتما الترحيب والضيافة كما كنتما تتوقعان؟

إلهام أوضحت أنهما واجهتا أحيانا مضايقات في الشوارع من بعض الشباب الذين كانوا يضايقونهما بعبارات عنصرية خاصة عندما يكونان بمفردهما كفتيات، لكن في المقابل وجدت أن غالبية الجزائريين الذين تعرفت عليهم كانوا طيبين وودودين جدا، وتأثرت بدعوة صاحب البيت الذي استضافهما على الإفطار في رمضان وسط أجواء دافئة.

أما لطيفة فرغم أنها واجهت أيضا مواقف مزعجة مثل تعرضها للرمي بالحجارة من بعض الشباب في الشاطئ وأخذ قارورة الماء الخاصة بها من أحد الأشخاص، لكنها أكدت أن الأشخاص الطيبين كانوا أكثر بكثير، مشيرة إلى فتيات السكن الجامعي، وصاحب البيت الذي كان يهتم براحتهم، ومدير وكالة السفر الذي ساعدهن كثيرا.

*هل هناك عادات جزائرية أدهشتكما أو بدت غريبة عليكما في البداية؟

إلهام ذكرت أنها اندهشت من سماع الأذان خمس مرات يوميا وهو ما لم تعتده في الصين، واعتبرت ذلك شيئا مقدسا وجميلا وتحترم التقاليد الدينية كثيرا.

أما لطيفة فقد لفت انتباهها الزغاريد التي تطلقها النساء الجزائريات للتعبير عن الفرح باستخدام اللسان بنغمة عالية، وحاولت تعلمها لكنها لم تنجح بذلك.

*كيف غيرت هذه الزيارة نظرتكما إلى الجزائر؟

إلهام أوضحت أن زيارتها إلى قسنطينة جعلتها تتعرف على الجزائر بشكل أعمق وشعرت بأن الجزائر ليست مجرد دولة في شمال إفريقيا بل بلد غني بالثقافة والمشاعر الإنسانية.

بينما لطيفة بينت أن زيارتها غيرت الصورة النمطية التي كانت تملكها عن الجزائر كدولة إفريقية غير معروفة كثيرا في الصين مقارنة بدول الخليج، واكتشفت أنها بلد شاسع وغني بالتنوع الثقافي والموارد السياحية، مشددة على أهمية زيارة البلد بنفسك قبل الحكم عليه.

*هل تفكران في العودة إلى الجزائر في المستقبل؟

إلهام أعربت عن رغبتها بالعودة إلى الجزائر بعد تخرجها لأنها تشعر أن فترة دراستها لم تكن كافية لاكتشاف كل جوانب هذا البلد العريق، ولا تزال هناك مدن كثيرة وأشخاص لم تلتق بهم بعد.

بينما لطيفة عبرت عن رغبتها القوية في العودة والعمل في الجزائر إن توفرت الفرصة، خاصة مع تنامي التعاون بين الصين والجزائر مما يخلق حاجة إلى كوادر تفهم ثقافة ولغة البلدين معا.

*ما هي نصيحتكما لطلاب صينيين آخرين يرغبون في دراسة اللغة العربية أو زيارة الجزائر والترويج لها في الصين؟

إلهام نصحت زملاءها بأهمية التعلم في بيئة لغوية حقيقية مثل الجزائر، لما توفره من تنوع ثقافي وتاريخي يجمع بين اللغة الفصحى واللهجات المحلية واللغة الفرنسية، مما يوفر تجربة لغوية غنية ومتكاملة.

أما لطيفة فقد شجعت الطلاب على أن يكونوا جريئين ويغتنموا الفرصة لخوض تجربة لا تنسى، ونصحتهم بتعلم بعض الفرنسية لتسهيل التواصل اليومي في الجزائر.