الملاية رمز الحشمة ،الأناقة والشموخ تختفي


 الملاية رمز الحشمة  ،الأناقة والشموخ تختفي

أضحت الملاية القسنطينية عملة نادرة في هذه الأيام بالنظر إلى العدد القليل من النسوة اللواتي لازلن يحافظن على ارتدائها وتحديدا من المسنّات ممن عايشن الزمن الجميل الذي كانت فيه “الملاية” تمثل رمزية كبيرة للمرأة بقسنطينة، وتعكس مدى حشمتها وعفتها إلى جانب شجاعتها في المواقف الصعبة، أين وقفت إلى جانب أخيها الرجل إبان الاستعمار. الحجاب هزم الملاية وصارت أغلب النساء تفضلنه لتختفي هذا اللباس الستار بشكل واضح بعد أن كان لسنوات طويلة اللباس المفضل للقسنطينيات بل تجاوز حدود عاصمة الشرق لتصير الملاية معشوقة عمريات سطيف وجميلات قالمة أيضا .

إيناس.ش

الملاية” هذا الرداء الأسود المرفوق بما يعرف بالعجار أبيض اللون الذي يوضع على الوجه ليخفي ملامح المرأة، له دلالات كبيرة وامتداد تاريخي عريق إذ أن أغلب الحكايات والمصادر تقول إن المرأة بقسنطينة ارتدت “الملاية” حزنا على أحمد باي الذي قتل غدرا بمنطقة الغراب بقسنطينة(صالح باي حاليا) ، وهو آخر بايات قسنطينة عرف بحنكته وعرفت قسنطينة إبان حكمه تطورا وصحوة فكرية فبنى المساجد والمدارس، غير أنه كان مغرورا وانتهى به المآل أن قتل على يد أقرب الناس إليه، وحزنا عليه خرجت النسوة بقسنطينة باللباس الأسود ومن يومها أصبحت “الملاية” اللباس الرسمي للمرأة بقسنطينة

وقد لعبت “الملاية” على مدار السنوات عدة أدوار داخل المجتمع القسنطيني فبعيدا عن الحزن ودلالاته التي حملتها، أصحبت بعدها “الملاية” رمزا لعفة وأناقة المرأة بقسنطينة، حيث تتفنن في لبسها في عديد المناسبات وقد وصل امتدادها إلى بعض من ولايات الشرق على غرار سطيف وقالمة، أين أضحت المرأة بتلك المناطق ترتدي “الملاية” بشكل دائم، لكنها تتميز من منطقة إلى أخرى خاصة ما يتعلق بطريقة لفها على الجسم فالمرأة القسنطينية تلفها على جسمها مع إدخال أحد أجزائها تحت الإبط ليظهر جزء من لباسها الذي تحرص أن يكون من الألوان الزاهية والمطرزة، أما المرأة بسطيف فتتميز في ارتدائها للملاية بطريقة وضعها على الرأس إذ تكون مقببة نوعـــا ما مع وضــع مشـــبك فــــــوق الـــــرأس.

 

الصحفية راضية بلجدوي تعود الى زمن الملاية القسنطينة

"وددت اكتشاف حياة المرأة القسنطينية برؤية اعلامية.. فالإحساس يغلب القلم أحيانا"

لفتت الإعلامية راضية بلجدوي مؤخرا الأنظار إليها و هي ترتدي الملاية في عدد من المواقع الأثرية بقسنطينة ما زاد من استحسان صفحات التواصل الاجتماعي من المهتمين بالمدينة و تراثها لمثل هذه المبادرة. و دفعهم الى نشر صورها دعما للحفاظ على جزء من تراثنا المادي العريق. لأجل التعرف على تجربتها تلك اقتربت مجلة "فسحة" من راضية بلجدوي و أجرت معها هذا الحوار ...

 

كيف تبادر إلى ذهنك الظهور بالملاية القسنطينية في أكثر من معلم؟

راضية بلجدوي:

حبي للمدينة و لتراثها العريق ليس بالجديد فقسنطينة تسكن القلب منذ القدم، كما أن طبيعة عملي كإعلامية ساعدتني كثيرا في ترجمة هذا الحب من جهة، و في التنقيب عن التراث من جهة أخرى. و بالعودة الى موضوع ظهوري بالملاية القسنطينية في عدد من المواقع الأثرية و الأزقة العتيقة و المعالم الشاخصة بعاصمة الشرق الجزائري فهو بالأساس ينبع من عشقي لكل ما هو قديم و تراثي، فحتى أتمكن من إيصال ثقافة المرأة القسنطينية قديما بزيها و عاداتها و تقاليدها و تراثها الشفوي المحكي و غير المحكي كان ينبغي أن أرتدي لباسها و أتجول بين أزقة المدينة وَدروبها ..لأتمكن من ذاك من التعبير بإحساس عالٍ و صادق عن افتخار هذه المرأة تحديدا بذاك الموروث بالذات.

 

ما طبيعة المواضيع التي قمتِ بتصويرها بالملاية القسنطينية ؟

راضية بلجدوي:

بالعادة أهتم بإعداد البرامج الثقافية لاسيما تلك التي تعنى بالكشف عن التراث أو التنقيب عنه، و تزامنا و التحضير لهذه الاخيرة كان ينبغي أن أرتدي لملاية القسنطينية على طريقتها القديمة و أنا أحضر لروبورتاج عنها، أين تم تصوير المشاهد في ديار عرب التي لا تزال مشيدة "بالعرعار" و "الرخام" و "الزلايج" بكل من منطقة "السيدة" و "ربعين شريف" "سيدي لجليس" و "الشارع"، ناهيك عن مشاركتي بها في روبورتاج ثقافي تحسيسي للوقاية من خطر كورونا يحمل شعار "دارك هي حياتك" ..حيث كانت التجربة مع ثلة من الاعلاميين و كذا فناني الصغر العتيق ممن تجولنا بالزي التقليدي ازقة المدينة العتيقة لبلوغ هدفين أولها الافتخار من جهة بتراثنا الذي يدخل في صميم ما نروج له سياحيا، و ثانيهما هو ايصال رسالة توعية للجميع دعما لفكرة الحجر المنزلي في هذه الفترة بالذات. مشاركتي بالملاية لم تتوقف عند هذا الحد فقد كان لي روبورتاج أيضا مع المجلس الشعبي الولائي وبجلسة لجنة السياحة تم عرض هذا الأخير و الذي تشرفت بإعداده، كنت حريصة على ظهور الملاية بقوة بقصر أحمد الباي و بجسور المدينة وفضاءاتها الروحانية على غرار بيوت الله و الزوايا.

 

 هل علاقة راضية بلجدوي بالملاية القسنطينية علاقة مهنية أم شخصية؟

راضية بلجدوي:

بالفعل هي علاقة شخصية بالدرجة الاولى؛ و ما العلاقة المهنية سوى محرك فقط لرغبتي في اعادة إسترجاع الشعور بافتخار كل إمرأة قسنطينية إرتدت بالسابق هذا الزي لما يميزه من الحشمة و السترة و الحياء. قبل تفكيري بتصوير روبورتاجات بالملاية فتحت خزانتي أين أضع بعضا من الملابس القديمة و كذا الحلي العتيقة و قطعا من النحاس النادرة؛ إذ بي أجد رداءً أسودا يرمز لقسنطينة لبسته و الابتسامة لم تفارقني، هناك تبادر الى ذهني أن أرتديه يوما ما في عملي اليومي كاعلامية فالاحساس يغلب القلم في كثير من الاحيان. كما أن الأمانة و الضمير المهني الصحفي يجعلنا ننقل الاشياء بصورتها الحقيقية الامر الذي يجعلني دائما أسعى وباجتهاد مني كي أكون سفيرة لمدينتي و لتراثها على غرار كل غيور على قسنطينة التاريخية العريقة بامتياز.